line
line

النبوة والانبياء في العهد القديم_الجزء الثالث  بقلم الاستاذ عماد مكرم

 
 

الأنبياء الصغار:

أنبياء ما قبل السبي:

1. عوبديا النبي:

اسمه بالعبرية يعني "عبد يهوه"، ويوضح محتوى السفر أن صاحبه مواطن من اليهود (عوبديا 12:10)، ولكن لا يوجد تاريخ للنبوة ولا زمانها أي مدتها. أما زمان هذا النبي فأن الآيات (11-14) توضح أن غزو أورشليم حدث قبل ظهور عوبديا، وبحسب التاريخ نحن نعلم أن غزو أورشليم كان :-

أ) أما بواسطة "شيشق" ملك مصر، وهذا كان مبكراً جدأ (سنة 925 ق.م.) أثناء حُكم "رحبعام" ملك يهوذا (1 ملوك 25:14)، ولكن هذا الاحتمال غير وارد بسبب أن أدوم ظلت خاضعة للعبرانيين في هذا الوقت، وأيضأ، لا توجد في سجلات مصر ما يُشابه الغزو والتخريب والبؤس كما يصفه عوبديا.

ب) أثناء حكم "يهورام" ملك يهوذا (سنة 848-841 ق.م.)، هجم الفلسطينيون والعرب هجومأ على يهوذا (2 أيام 16:21)، وهذا هو التاريخ الأكثر مناسبة للسفر.

ت) غزا "يوآش" ملك إسرائيل اليهودية (سنة 790 ق.م.) وذلك لإغاظة الملك أمصيا ملك يهوذا (2 ملوك 14)، ولكن هذه الغزوة لا تدخل في تاريخنا لأن عوبديا في سفره (11) يدعو الغزاة أنهم غرباء "أعاجم".

ث) خراب أورشليم بواسطة "نبوخذناصر" (سنة 586 ق.م.) وهو الأخير في تخريب أورشليم، ويعتبره بعض علماء العهد القديم أنه التاريخ المناسب لنبؤة عوبديا.

ولكن مما يزيد اعتبار تاريخ خراب أورشليم أثناء حكم "يهورام" (سنة 845 ق.م.) مناسبأ أكثر لهذا السفرعن

(سنة 576 ق.م.) للأسباب الآتية :-

1) أدوم قامت بثورة أثناء حكم "يهورام"، وكانت خصمأ لليهودية في هذا الوقت (2 ملوك 20:8) و (2 أيام 8:21).

2) لا يذكر عوبديا حدوث الأسر الكلي الذي حدث في (سنة 586 ق.م.).

3) الأسرى لم يؤخذوا إلى بابل كما حدث في غزو (سنة 586 ق.م.)، ولكنهم أُخذوا إلى فينيقية "صفارد" (عوبديا 20).

4) كل الأنبياء الآخرين الذين تكلموا عن سقوط أورشليم والأسر، ذكروا الكلدان وذكروا اسم "نبوخذناصر" نفسه، ولكن

عوبديا ذكر العدو بدون أن يصفه، فإن كان عوبديا يتكلم عن خراب أورشليم (سنة 586 ق.م.)، فيكون سكوته عن ذلك غير مفهوم.

5) لا توجد أية إشارة في نبوة عوبديا توضح الخراب الكامل لأورشليم والهيكل الذي حدث في (سنة 586 ق.م.).

6) عاموس (سنة 760 ق.م.) وكذلك إرميا النبي (سنة 627 ق.م.) أظهروا معرفتهم لعوبديا، وهذا يُرجح أن عوبديا كان قبل السبي، إذا قارنا عوبديا ( عدد 4) "إن كنت ترتفع كالنسر وإن كان عشُك في موضوعأ بين النجوم، فمن هناك أُحدرك يقول الرب"، مع (عاموس 2:9) "إن نُقبوا إلى الهاوية فمن هناك تأخذهم يدي وإن صعدوا إلى السماء فمن هناك إنزلهم"، وكذلك (عوبديا عدد 19) "ويرث أهل الجنوب جبل عيسو، وأهل السهل الفلسطنيين، ويرثون بلاد أفرايم وبلاد السامرة، ويرث بنيامين جلعاد" مع (عاموس 12:9) "لكي يرثوا أدوم وجميع الأمم الذين دُعي اسمي عليهم يقول الرب الصانع هذا"، وهذه الآيات تُشير إلى نفس الحاله التي وصفها عوبديا.

الخلفية التاريخية للسفر:

دولة أدوم هي نسل عيسو (تكوين 30:25)، والأدوميون يعيشون في حصون صخرية في جبل سعير جنوب فلسطين، وكانت عاصمة أدوم اسمها "سالع" أو "بترا"، وقد غزا الأدوميين هذه الحصون الصخرية وأخذوها من سكانها الأصليين "الحوريين" واستبدلوا سكانهم مكان "الحوريين". أحتقر الأدوميين كل التهديدات التي تُهدد أمنهم وهذا راجع إلى جبالهم المُحصنة التي جعلتهم يشعروا بالكبرياء والأمان، كما يصفهم عوبديا (عدد 1 إلى 9).

كانت العداوة بين العبرانيين والأدوميين، كما يصفها عوبديا، لها جذورها الأولى من نصرة يعقوب على أخيه عيسو من جهة البكورية التي خطفها منه (تكوين 27)، ولكن بينما تصالح يعقوب وعيسو، إلا أنه واضح من العهد القديم أن النسلين لم يتصالحا أبدأ، وهذا يظهر بوضوح عندما رفض أدوم أن يمنح إسرائيل حق العبور في أرضه وهو مرتحل غربأ، قادمأ من مصر بقيادة موسى (عدد 4:21)، فأضطر بنو إسرائيل أن يدوروا حول جبل هور، ونسمع أيضأ عن أن الملك شاول حارب أدوم (1 صمؤيل 47:14)، وداود أثناء حكمه أخضع أدوم تحت سلطانه (2 صمؤيل 13:8)، وقد حاول الأدوميين القيام بثورة في ايام حكم سليمان، ولكنهم لم ينجحوا (1 ملوك 14:11)، ولم يستطيعوا أن ينالوا حريتهم حتى ثورتهم أثناء حكم "يربعام" ملك يهوذا (سنة 845 ق.م.) (2 ملوك 20:8).

أندلاع الحرب بين الأثنين، يهوذا وأدوم استمرت حتى خراب أورشليم (سنة 586 ق.م.)، وشجع بني أدوم على سقوط أورشليم، كما في (مزمور 7:137) "اذكر يارب لبني ادوم يوم أورشليم القائلين هدوا هدوا حتى إلى أساسها"، ولكن الله حكم عليهم بسبب قسوتهم وبسبب عدم العطف على أخيهم يعقوب، كما نقرأ في (عاموس 11:1) "هكذا قال الرب، من أجل ذنوب أدوم الثلاثة والأربعة لا أرجع، لأنه تبع بالسيف أخاه وأفسد مراحمه وغضبه، إلى الدهر يفترس وسخطه يحفظه إلى الأبد، فأرسل نارأ على تيمان فتأكل قصور بصرة"، وأيضأ في (إشعياء 5:34) "لأنه قد روئ في السماوات سيفي هوذا على أدوم ينزل وعلي شعب حرمته للدينونة، لأن للرب يوم أنتقام، سنة جزاء من اجل دعوي صهيون"، وأيضأ في (إرميا 7:49) "عن أدوم هكذا قال رب الجنود ألا حكمة بعد في تيمان، هل بادت المشورة من الفهماء، هل فرغت حكمتهم".

وأبتداءً من (سنة 312 ق.م.) قام العرب النباطيون، وحلوا محل الأدوميين في بترا، كما تنبأ عوبديا، وانتشر الأدوميون بعد ذلك واحتلوا جنوب اليهودية، وقد أسماها اليونانيون "أدومية"، وقام المكابيون زمن "يوحنا هركانوس"، وأخضعوهم ووضعوا على الأدوميون قانونأ الذي هو ناموس اليهود وختنوهم. "يوليوس قيصر" عين "أنتيباتير"، وهو أدومي واليأ على اليهودية (سنة 47 ق.م.)، ثم صار "هيرودس" ابنه ملكأ على اليهودية (سنة 37 ق.م.)، وأشترك الأدوميون في الثورة مع اليهود ضد سيادة الرومان (سنة 70 ميلادية)، وعانوا ما عاناه اليهود في خراب أورشليم بواسطة "تيطس". ومن هذه السنة أختفي الأدوميون من التاريخ، وهكذا أُكملت نبوة عوبديا، كما في عوبديا :10) "من أجل ظلمك لأخيك يعقوب يغشاك الخزي وتنقرض إلى الأبد".

2. يوئيل النبي:

اسمه يعني "يهوه هو الله"، لا يوجد أي تعريف بمن هو النبي ولا تاريخة أو زمنة أو ميلاده، غير أنه قد ذُكر اسم أبيه "ابن فثوئيل"، وهذا أيضأ غير معروف. كان يوئيل مواطنأ من اليهودية يتكلم عن الكهنة والذبائح والهيكل، ولكن واضح أنه لا ينتمي إلى الكهنوت. اسلوب سفر يوئيل واضح، منظم على أوزان شعرية تسبيحية تصويرية، وكخادم للرب، كان يُنادي بالصلاة وبالصوم والتوبة لمواجهة دينونة الله، يُرجح أنه من أنبياء ما قبل السبي، وهناك ما يُرجح أنه من القرن التاسع قبل الميلاد لثلاث أسباب، الأول: وضع سفره في القانون العبري للأسفار بين النبي هوشع وعاموس، السبب الثاني: اشتراكه في الغايات تتناسب مع أسفار أنبياء القرن التاسع، والسبب الثالث: لغته والأسلوب يجعله يُحسب من أنبياء الدرجة الأولى.

نبوة يوئيل تأخذ الطابع العام، وهو يُعلنها للشيوخ، كما في (3:1) "هل حدث هذا في أيامكم أو في أيام آبائكم؟ أخبروا بينكم عنه وبنوكم بينهم وبنوهم دورأ آخر"، وقد حدث في أيام يوئيل هجوم الجراد كوباء، الشي الذي لم يكن له مثيل من قبل، وهذا أثر على الأرض والزراعة والأقتصاد والحياة الجتماعية والدينية، وعند يوئيل، صار وباء الجراد مثالاً ليوم الرب الآتي مثله، بل وأسوأ منه (1:2-11)، ثم يعود يوئيل ويتحدث عن يوم العودة كعلامة إلهية للحفظ من يوم الرب الآتي.

لغة وتركيب السفر:

الأصحاحان الأول والثاني يحض يوئيل النبي الشعب على الصلاة ليتعطف الله عليهم، سواء أفرادأ (19:1)، أو جماعة (16:2)، ويدعو للولولة (17:2)، والصوم (14:1)، وتجديد عبادتهم (12:2). وفي الأصحاح الثالث يتكلم عن طبيعة يوم الرب والدينونة ضد الأمم (1:3-15)، وخلاص شعبه (16:3). يستخدم يوئيل جميع أنواع الأدب اللغوي والتوازن في الشعر والتشبيه والكلمات ذات البلاغة.

القصد في نبوة يوئيل:

إن غرض عمل يهوه هو تكميل تأسيس مملكته على الأرض، وهو يقتص من أعدائه (1:3)، وذلك برمز خراب مصر وأدوم (19:3)، ويمتحن شعبه الذين يترقبون بصبر انتصاره، لأنهم سيشتركون في نصرته كخلقة جديدة (18:2)، وتنتهي النبوة برؤية عالم مُتغير بنهر يتدفق من وسط أورشليم (18:3)، وبوجود الله بين شعب قد غفر له "رؤية السلام" (21:3)، أتضحت رؤية يوئيل بمجئ السيد المسيح وصارت حقيقة واضحة.

3. يونان النبي:

اسم عبري معناه "حمامة"، ابوه اسمه "أمتاي"، وكان يونان يعيش في القرن الثامن قبل الميلاد، وُلد في مدينة "جت حافر" في أرض زبولون على بُعد 5 أميال شمالاً من الناصرة، ونعرف من (2 ملوك 25:14)، أنه تنبأ في إسرائيل أثناء حكم "يربعام الثاني" من (سنة 782-753 ق.م.). في أول خدمته كان يونان معروفأ ومحبوبأ لأنه تنبأ عن نصرة إسرائيل وأتساع أراضيها إلى حدودها الأصلية (حماة شمالاً والبحر جنوبأ)، لذلك وهبة الله أن يبقي مؤقتأ نبيأ يتنبأ في إسرائيل.

في أثناء خدمة يونان، كانت أشور تحت الغزو من قبائل "أورارتو الجبلية"، ولم تستمر في حروبها في الغرب في فلسطين حتى مجئ "تغلث فلاسر الثالث"" (سنة 745 ق.م.) مستعيدأ قوتها، وكانت مملكة إسرائيل سعيدة لأن أشور كانت مكسورة وتحت الغزو، وظلت إسرائيل تحافظ على حصونها وتقوي دفاعاتها، وتقوي المدن وتبني الجيوش مستخدمة الدبلوماسية مع الأمم الأخرى.

الخلفية التاريخية للسفر:

تقبل يونان النبي الرسالة الإلهية التي تُنادي بالحكم على مدينة نينوى العظيمة بسبب إزدياد شرها، ولكن يونان حاول الهرب من هذه الرسالة، وفعلآ هرب في سفينة ذاهبة إلى "ترشيش" (اسم فينيقي معناه معمل التكرير)، التي هي "كليكية" في آسيا، الصغرى، هرب يونان ليس إحتقارأ لرسالة الله، ولكن ثبت بعد ذلك أن يونان كان يعلم أن الله رحيم وأنه سيعفو عن المدينة، وسيصبح موقف يونان حرجأ، وفي نفس الوقت، كان خائفأ من معاملة الأشوريين الصعبة، صعد يونان إلى السفينة ونام في باطنها، أهاج الله رياحأ شديدة، وبدأت السفينة في الغرق، وأخيرأ عرف البحارة سر يونان وسبب هروبه، وأقترح عليهم يونان أن يلقوه في البحر لتهدأ الرياح وتنجو السفينة، فألقوه فعلآ في البحر. أعد الله الحوت الكبير، (يقال أن الحوت من فصيلة زفا، أي من كبار الحيتان المشهورة بأتساع الحلق الذي يعتبر بأتساع القبر، وهو الحوت الأزرق ((Blue Whale، الذي هو من أضخم الحيتان على الإطلاق، وهي عديمة الأسنان، ويتراوح طول الحوت الأزرق البالغ بين 20-33 متر، أما وزنه، فهو بين 90-180 طنأ، ورأس هذا الحوت وحده ربع طول جسمه، هذا الحوت العملاق يتميز بالهدوء والخجل)، فأبتلعه الحوت.

ولكن الله ابقى على يونان حيأ ثلاث ليالي وثلاث أيام في جوف الحوت، وأخيرأ قذفه الحوت على الأرض، رضخ يونان لأمر الله، ووافق على الذهاب إلى نينوى، وذهب هناك ونادى بالحكم الواقع على نينوى، أنه بعد أربعين يومأ سيقلبها الله، ولكن نينوى تابت وندم كل الشعب مع الملك، ونادوا بصوم.

كانت أشور في هذا الوقت أمبراطورية قوية، ونينوي كانت مدينة عظيمة محاطة ببلاد أخرى، وتعداد سكانها ضخم، وبعد موت "يربعام الثاني" صارت إسرائيل تحت الجزية لأشور في زمن الملك "منحيم" (2 ملوك 19:15)، وكانت أشور أيام "يربعام" ويونان على صلة دائمة بفلسطين، "فتغلث فلاسر الأول" (1114-1076 ق.م.) كان قد وسع تخوم أشور بغزواته غربأ حتى البحر الأبيض المتوسط، وفي (سنة 853 قزم.) غزا "شلمناصر الثاني" فلسطين وضرب عدة ملوك، منهم "آخاب" في موقعة "كركر"، وبعد هذا صار بني إسرائيل يدفعون الجزية لأشور. كانت نينوى أخر عاصمة لأشور، وهي واقعة على الشاطئ الشرقي لنهر دجلة، وقد خربت المدينة في (سنة 612 ق.م.)، وذلك بتحالف الماديين مع البابليين والسكيثيين، التي اسسها نمرود (تكوين 9:10)، وقد ذُكرت المدينة في مخطوطات البابليين المكتوبة بالخط المسماري.

ذكر يونان نينوى على إنها المدينة العظيمة، وهذا يعني المدينة والبلاد التي حولها (تكوين 11:10)، وهي واحدة من المدن التي سكنها ملوك أشور من (سنة 1100 ق.م.)، ويتناسب وصف عظمة المدينة واتساع وتعداد شعبها في سفر يونان مع كل ما جاء في التاريخ والآثارعنها، وقد بلغت نينوى في ذلك الزمان أقصي حدود الفجور والفساد والشر، ولم تكن اقل من سدوم وعمورة في فسادها، وقد ذكر النبي "ناحوم" مدي فسادها.

عند ظهور يونان في مدينة نينوى كان ذلك في أيام أحد الملوك المعروفين: "حدد نيراري الثالث" (سنة 810-783 ق.م.) أو "شلمناصر الرابع" (سنة 782-773 ق.م.)، أو "أشور دان الثالث" (سنة 772-755 ق.م.)، أو "اشور نيراري الخامس"

(سنة 754-745 ق.م.)، أو "تغلث فلاسر الثالث" (سنة 744-727 ق.م.). فأن كان زمان دخول يونان لمدينة نينوى هو في أيام الملك "أشور دان الثالث" (سنة 772-755 ق.م.)، لأنه كان حينئذ وبأ مشهورأ مذكور في تاريخ أشور، وكان محسوبأ ضمن غضب الله وهو الذي أرعب الشعب والملك، وكان هذا أكبر تمهيد لتهديد يونان لأهل نينوى.

4. هوشع النبي:

اسم عبري معناه "الخلاص"، واسم هوشع يأتي في الأسفار المقدسة مرادفأ لأسم "يشوع" خليفة موسى النبي، ويأتي أيضأ مرادفأ لسم هوشع أبن أيلة، آخر ملوك مملكة إسرائيل الشمالية (2 ملوك 1:17)، وفي اليونانية يأتي مرادفأ لاسم يسوع.

كان هوشع مواطنأ في المملكة الشمالية إسرائيل، ومارس نبوته في إسرائيل، وهذا يتضح من ذكره لأوصاف إسرائيل الشمالية (1:5، و8:6، و12:12) من سفره، سفر هوشع ينقسم إلى قسمين، القسم الأول الذي يشمل الأصحاحات الثلاثة الأولي عن امرأة هوشع، الذي يُقال أنها مجرد رؤيا، وزواجها وأولادها الثلاثة، ولدين وبنت، وهو زواج مأساة، كلها جُعلت بصورتها كإشارة رمزية لتوضيح العلاقة السيئة جدأ التي كانت بين الله وإسرائيل في ذلك الزمان. وفي الجزء الثاني من السفر هو مجموعات من التوجيهات كلها ترجيات وتوسلات، وفيها نقد لاذع وتحذير ووعود. لا يوجد في القسم الثاني لسفر هوشع تواريخ محددة منتظمة يمكن استطلاعها لأن الأصحاحات من (4-14) لا تحتوي توجيهات متكاملة لإسرائيل لأنها جاءت متفرقة بلا ربط.

يبدأ السفر بفعل رمزي يُقال أنه مجرد رؤية ليفضح فيه خيانة إسرائيل واحتمال محبة الله، لأن المحبة بين الله وإسرائيل كانت كأن لإسرائيل خُطبت له، لهذا يقوم هذا الحب على أمانة العبادة كحب زوجة لزوجها، فإذا خانت الزوجة زوجها بعبادة الأصنام والآلهة الشريرة الأخري التي في البلاد المجاورة، فإن الله يعتبرها أنها، أي إسرائيل قد خانت عهد الزوجية، أي أنها أصبحا أمامة كدولة بلا إله وشبهها بتشبيه يفهمه الشعب، أنها قد زنت عن رجلها الوحيد. وهكذا أمر الله هوشع أن يتزوج زوجة زانية علنأ، لكي يضغط بالنبوة على شعب إسرائيل بأن حقيقة أختيار هوشع لزوجة تمثل حالة إسرائيل باعتبارها في النظره الإلهية حالة زنى روحي، وأعطي اسماء لأولادها الذين خرجوا منها، إنها اسماء تشهيرية ليفضح بها خالة إسرائيل كزوجة خائنة.

الأبن الأول سُمي "يزرعيل"، الذي يعني "يتفرق بيد الله"، مشيرأ إلى السبي القادم لإسرائيل، علمأ بأن كلمة "يزرعيل" هي اسم لسهل قتل فيه "ياهو" بوحشية كل بيت آخاب وسال دمهم (2 ملوك 11:10)، وفي هذا السهل وقعت مجازر كثيرة، وبذلك يُشير بهذا الأسم إلى أن إسرائيل سوف تنكسر. الاسم الثاني سُمي "لورحامة"، التي تعني بلا رحمة، ويعني أن إسرائيل لن تجد رحمة من الله عندما تقع المحاكمة. الاسم الثالث سُمي "لوعمي"، ويعني ليس شعبي، ويُشير بأن مستقبل الشعب قد رُفض وأُهمل وتُرك بواسطة الله. وبعد مدة هجرت امرأة هوشع، كان اسمها "جومر" الذي معناه "إله يكمل" زوجها بالأمر لإثبات حيانة إسرائيل الفعلية لله، ولكن عشاقها انقلبوا عليها وطردوها، وذهب هوشع يسأل عنها ويفتقدها بأمر الله، فوجدها مهجورة ومُحتقرة، وقد بيعت من الحاجة لتكون عبده، ولكن من محبة هوشع التمثيلية ليمثل عمل الله في إسرائيل، أنه اشتري حريتها، أي دفع ثمن عبوديتها وحررها، وأعادها ولكن ليس إلى حالتها الأولى كزوجه، ولكن تحت الحجز ممتنعأ عن محبتها ومعاشرتها حتى عادت عفتها كاملة. وبعد ذلك أعلن الله في هوشع أنه سيضع لزناها نهاية بعد أن تكون قد تأدبت بعقاب السبي وبالعقاب سيُخضعها لنفسه إلى الأبد.

أجزاء نبوة هوشع غير مرتبة بحسب الزمن، وكان هوشع مزامنأ للأنبياء عاموس وميخا وإشعياء، كما نجد تأثير هوشع النبي واضحأ في الأسفار الأخري التي جاءت بعده، وقد وجد أكثر من 30 أقتباسأ مباشرأ وغير مباشر من النبي هوشع في الأناجيل والرسائل في العهد الجديد، ولنعطي مثالاً وليس حصرأ، في (هوشع 1:11) "لما كان إسرائيل غلامأ أحببته ومن مصر دعوت ابني"، نجد في (متي 15:2) "من مصر دعوت ابني"، ايضأ في (هوشع 6:6) "إني أريد رحمة لا ذبيحة ومعرفة الله أكثر من محرقات"، نجد في (متي 13:9) "فاذهبوا وتعلموا ما هو، إني أريد رحمة لا ذبيحة"، وأيضأ في (هوشع 23:2) "وأقول للوعمي أنت شعبي وهو يقول أنت إلهي"، نجد في (رومية 25:9) "كما يقول في هوشع أيضأ سأدعو الذي ليس شعبي شعبي والتي ليست محبوبة محبوبة"، وأخيرأ في (هوشع 14:13) "أين أوباؤك يا موت أين شوكتك يا هاوية"، نجد في (1 كورنثوس 55:15) "أين شوكتك ياموت، أين غلبتك يا هاوية".

الخلفية التاريخية للسفر:

من التقارير التاريخية التي جاءت في (2 ملوك 14 إلى 17)، يبدو أن هوشع قد مارس نبوته في فترة مشوشة مليئة بالانقلابات وسفك الدماء، فأثناء مُلك "يربعام الثاني"، كانت إسرائيل مزدهرة وناجحة، ولكن خطية عبادة الأصنام كانت تُمارس مع أنحطاط وقسوة وشهوة وبذخ، وأنحدار اخلاقي وروحي، ولما مات يربعام سادت فوضى في المملكة، وابن يربعام "زكريا" اغتيل بواسطة "شلوم" بعد حكم قصير دام ستة أشهر، ثم اغتصب "شلوم" العرش ولكنه قُتل بعد شهر واحد بواسطة "منيحم" أحد قادته، حكم "منيحم" الشرير لمدة 10 سنوات، غزا أثنائها الأشوريون إسرائيل بقيادة "تغلث فلاسر" وأدخل المملكة الشمالية تحت الجزية. ثم حكم أبن "منيحيم" واسمه "فقحيا" لمدة سنتين، ولكنه قُتل "فقح" أحد ظباطه واستولي على العرش، وتعاهد مع "رصين" ملك دمشق ضد المملكة الجنوبية يهوذا. طلب "آحاز" ملك يهوذا النجدة وألتجأ إلى أشور، الذين غاروا على دمشق واستولوا على السامرة، أما "فقح" فاغتالوه بواسطة "هوشع ابن أيلة" الذي استولي على العرش، وفي البداية دفع الجزية للأشوريين، ولكن أخيرأ تحالف "هوشع ابن أيلة" مع مصر وامتنع عن دفه الجزية، مما دعا "شلمنأسر الخامس" خليفة "تغلث فلاسر" لغزو البلاد ، وأخذوا "هوشع ابن أيلة" أسيرأ، وبعد حصار دام ثلاث سنوات، سقطت السامرة في يد "سرجون" في (سنة 722 ق.م.)، ونُقل أعداد كثيرة جدأ من إسرائيل إلى ما بين النهرين وحل محلهم أجانب أغراب عن إسرائيل استُحضروا من أشور وبابل وكوث وعوا وحماة وسفروايم (2 ملوك 1:17-24). لهذا كانت الفترة التي تنبأ فيها هوشع فترة صاخبة، وكانت حالة إسرائيل الأخلاقية في منتهي الفساد، وبدلا من تشجيع الكهنة للشعب للحياة المستقيمة، كانوا يشجعوهم على الخطية، وأعطي الملوك المثل في شرب الخمر وبناء مذابح للأوثان، وسادت عبادة العجل في كل بيت.

5. عاموس النبي:

اسم عبري معناه "حمل أو ثقيل"، كان يعيش في مدينة "تُقوع" على بعد 5 أميال من بيت لحم أفراته، وكان يعمل راعيأ للغنم كداود، وكان يتسلق شجر الجميز ليقطعه تينة تينة، فهو إذن راعي وجاني جميز، ولم يكن من بيت كهنوتي ولا نبيأ ولا هو ابن نبي، وأنما دعاه الله للنبوة. دُعي عاموس نبي البر بسبب شجاعة دعوته ومناداته الأخلاقية بالبر ضد الفساد الأخلاقي الذي انتشر في إسرائيل ويهوذا، وكان هذا سببأ في أثارة أحقاد "أمصيا" رئيس الكهنة، الذي شكاه وأثار علية حفيظة الملك "يربعام" لأنه كان يتنبأ في كل الأرض من يهوذا إلى إسرائيل مشيأ على الأقدام، ولكنه خص الدولة الشمالية إسرائيل بمعظم نبواته.

عاموس كان أكبر سنأ من هوشع، وكان يخدم نبوته في إسرائيل (سنة 760 ق.م.)، قبل الزلزال الذي حدث هناك وزعزع مملكة إسرائيل، ومن العجب أن نسمع أن عاموس كان متعلمأ وقد درس كيهودي، وكان عالمأ بأحوال مجتمعه السياسي والحكومي والقضائي والأعمال العامة لتك الأيام، كان أيضأ على دراية بجغرافية المكان وتاريخ إسرائيل وأحوال البلاد أجتماعيأ، وما حول إسرائيل من بلاد وما يجري في تلك البلاد.

عاموس كان نبي ذو شخصية صلبة كأصالة الأنبياء، انفجر في وجهة رئيس الكهنة لما أراد أن يهدده ويُسكت فمه، فلم يهتم به عاموس ولا بالملك، مع أن "أمصيا" كان كبير كهنة بيت إيل، والتالي بعد الملك (12:7)، وكان عاموس كالأسد الذي يصفه هو نفسة في (عاموس 8:3) "الأسد قد زمجر فمن لا يخاف. السيد الرب قد تكلم فمن لا يتنبأ".

سفر عاموس ينقسم إلى ثلاثة اجزاء من أقوال الوحي الإلهي:

الجزء الأول، ويضم الأصحاحين الأول والثاني، ويحمل واجبأ ثقيلاً أراد أن يخلص ضميره منه ضد الأمم المحيطة ومعها إسرائيل ويهوذا، ويتجه الوحي ضد جرائم هذه الشعوب التي ستنتهي إلى دينونة مفصلة عن الجرائم والخطايا والشرور.

الجزء الثاني، ويضم الأصحاحات من 3 إلى 6، ويتكون من ثلاث خطابات وعظة عن الدينونة يمكن تحديدها بسهولة، لأن كل واحد منها يبتدئ بالقول النبوي "اسمعوا هذا القول" على رأس الأصحاحات 3-4-5، وكل واحد من هذه التشهيرات يعقبها كلمة واضحة "لذلك"، التي تُعلن عن طبيعة الدينونة التي ستأتي.

الجزء الثالث، ويضم الأصحاحات من 7-9، ويتكون من خمس رؤى: جراد، نار، زيج (حبل القياس)، سلة القطاف، المذبح.

والخمس رؤى تكشف عن تصميم الرب الإله على أن يخرب إسرائيل، ولكن النبي تدخل بالصلاة وتشفع في الشعب، فعاموس وقف لشعب إسرائيل كما وقف موسى يتشفع لدي الله أن لا يُهلكو با يعفو عن إسرائيل، كما في (عاموس 2:7) "أيها السيد الرب اصفح، كيف يقوم يعقوب فإنه صغير، فندم الرب على هذا لا يكون قال الرب"، وذلك خوفأ من أن يفني إسرائيل من عوامل الطبيعة (الجراد)، فسمع الرب وقبل صابرأ، ولكن الرب لم يغفر لإسرائيل، فكانت الرويا الثانية، دعي الله الشعب للمحاكمة بالنار، ولكن عاد عاموس وصلى "فقلت أيها السيد الرب كُف، كيف يقوم يعقوب فإنه صغير، فندم الرب على هذا، فهو أيضأ لا يكون قال السيد الرب" (عاموس 5:7)، ولكن الله لم ينهي المحاكمة ولم يوقف الحكم، فكانت الرؤيا الثالثة أنه لن يحتمل بعد "لا أعود اصفح له بعد" (8:7)، لأن الزيج، وهو حبل القياس يقول أنهم قد نقلوا تخومهم من الرب خارجأ، هنا تدخل "أمصيا" ليمنع عاموس من التنبؤ، فتوقفت الرؤيا حينأ. بعد هذا رأي عاموس الرويا الرابعة "سلة قطاف"، أي فاكهة نضجت للقطف، أي حان وقت المحاكمة "قد أتت النهاية على شعبي إسرائيل لا أعود أصفح له بعد" (2:8)، والرؤيا الخامسة "رأيت السيد قائمأ على المذبح فقال اضرب" (1:9-14)، وبدل الرحمة والأمان اللذين كانوا فيها سوف يشتتون في أنحاء العالم "لأني هأنذا آمر فأغربل بيت إسرائيل بين جميع الأمم" (9:9).

6.ميخا النبي:

اسم مختصر لسم "ميخايا" الذي يعني "من الذي يشبه يهوه"، أو "لا يوجد إله آخر مثل يهوه"، وهو يتميز عن بقية الأشخاص الذين يُسمون ميخا بأنه "ميخا المورشتي"، أي مواطن من بلدة "مرشة جت"، ولو أن هذه المدينة ليست معروفة ولا معروف مكانها، ولكن يُقال بحسب يشوع إنها في أرض يهوذا (يشوع 44:15)، كان ميخا مواطنأ من يهوذا وتنبأ في أورشليم، وهذا يُفهم من كون خدمته قد انحصرت في حكام يهوذا (يوثام و آحاز وحزقيا ). كانت أقوالة تُدين فساد أورشليم وصهيون، وكان نبيأ مستقيمأ وأقوالة واضحة، وله قوة إقناع وشجاعة وإيمان ثابت في الله، كان ينادي مطالبأ بالعدل بين الناس والتعاطف مع الفقير، مثل الذي كان يطلبة عاموس زميله المعاصر له.

الخلفية التاريخية للسفر:

هو مثل معاصره إشعياء، ينتمي إلى النصف الأخير من القرن الثامن قبل الميلاد، حيث في هذا الزمان كانت أشور قوية تحت حكم "تغلث فلاسر الثالث" و"شلمنأسرالخامس" و"سرجون الثاني" و"سنحاريب".

كان قد خلف "عزيا" ملك يهوذا ابنه "يوثام" على العرش، وكان "يوثام" صالحأ مثل أبيه، وقد حكم سنين قليلة من (سنة 739-735 ق.م.)، وبالقرب من نهاية حكمه، حصل تهديد على يهوذا بغزو من قوات إسرائيل ودمشق، ولكن لم تحدث هذه الواقعة حتى إلى زمان حكم ابنه "آحاز"، الذي على الرغم من احتجاج إشعياء، صرخ إلى "تغلث فلاسر الثالث" لينجده. وقد سقطت إسرائيل ودمشق، ونجت يهوذاو ولكن كان الثمن أنها قد فقدت حريتها الوطنية وصارت تحت الجزية لملك أشور. وأثناء السنين الأولى لحزقيا، ظلت اليهودية تنعم بالسلام ولكن بدفه الجزية سنويأ لأشور، وظهر جبروت أشور في أقتحامهم للسامرة وأسر إسرائيل (سنة 722 ق.م.) على يد "سرجون"، وكان ذلك في حكم "هوشع ابن أيلة" الذي كان ملكأ على إسرائيل، والذي أراد أن يلقي عن كاهله طغيان أشور بتحالفة مع مصر، ولكن "سنحاريب" الذي خلف "سرجون" واجه الثورة التي اشتركت فيها يهوذا، وفي (سنة 702-701 ق.م.) تقدم غربأ واستولي على صور وصيدا والبقية، واجتاح اليهودية، وأنحصر طحزقيا" في أورشليم وحُبس فيها، ولكن أُنقذ بتدخل سماوي بواسطة قوة عجيبة (2 ملوك 18).

كانت حالة اليهودية الأخلاقية والروحية في هذا الزمان منحطة، وكان التدين في الظاهر فقط، معتقدين أن أداء الشعائر الدينية يؤمن لهم الرضا الإلهي (6:6)، وكانت عبادة الأصنام متفشية، كما دخلت العبادة عناصر غريبة مثل الذبائح البشرية، وكان الكهنة والأنبياء يؤدون خدمتهم بالأجرة، والأغنياء أكلوا حق الفقراء، والقضاة تقاضوا رشاوي وأكلوا حق الأيتام والأرامل.

وبلغت الحالة الأجتماعية والروحية والأخلاقية إلى فقد الرجاء، الأمر الذي كان واضحأ في كلمات ميخا النبي في (ميخا 5:7) "لا تأتمنوا صاحبأ لا تثقوا بصديق، احفظ أبواب فمك عن المضطجعة في حضنك، لأن الابن مستهين بالأب والبنت قائمة على أمها، والكنة على حماتها، وأعداء الإنسان أهل بيته، ولكنني أراقب الرب، أصبر لإله خلاصي، يسمعني إلهي، لا تشمتي بي يا عدوتي، إذا سقطت أقوم، إذا جلست في الظلمة قالرب نور لي"، لذلك سُمي ميخا أنه المترجي مملكة الله والمسيا.

7. ناحوم النبي:

اسمه مُشتق من جذر (N.H.M)، التي تعني "عزاء"، ومنه نحميا "يهوه يعزي"، لذلك اسم ناحوم الذي لم يرد في بقية أسفار العهد القديم، وورد فقط في (لوقا 25:3)، ومن غير المحتمل أن يكون هو نفسه نحميا الذي عاش طويلاً بعد سقوط أشور، يُسمي ناحوم الألقوشي (1:1)، أي أنه مواطن من ألقوش، ولا يُعرف مكان هذه البلدة بالظبط، وربما هي القوش الحالية على الجانب الأيسر من نهر دجلة، وتبعد 5 أميال شمال الموصل، حيث توجد حسب التقليد مقبره ناحوم، والبعض يرجح أن القوش صارت بعد تجديدها باسم "كفرناحوم" تمجيدأ لذكري هذا النبي، خاصة وأن له معرفة بأرض الشمال في فلسطين بذكره الكرمل ولبنان وباشان (4:1)، والبعض يضع القوش جنوب يهوذا في أرض شمعون 6 أميال من "بيت جبرين"، وبها بئر عتيقة تُسمي بئر الكووس التي ربما كانت هي ألقوش، وهذا يتناسي مع افتخاره بانتصار مملكة يهوذا (15:1). كل هذا يُفيد أنه من نسل عائلة إسرائيلية عاشت في المنفي مسبية أيام "سرجون" (سنة 722 ق.م.)، ويُرجح هذا الفكر شدة ملاحظة ناحوم ومعرفته بنينوى والأشوريين، وهذا يوضح أستخدام ناحوم كلمات أشورية في نبوته، كما في (7:2، و17:3)، فهو يعرف نينوى جيدأ وأسوارها وأبواب النهر (6:2)، وهياكلها (14:1)، وغناها المفرط (9:2)، وهذا بليس بعيدأ عن القرن السابع قبل الميلاد. نبوته تشبه نبوة يونان وترد عليها، موضوعها واحد وهو دينونة نينوى، وفي الترجمة السبعينية تأتي مباشرةً بعد نبوة دانيال، كأنها التكميل لها، فيونان يحمل رسالة تحذير ومنادة بالتوبة للمغفرة، وناحوم يحمل نبوة سخط ودينونة على نفس المدينة غير التائبة. يونان بشر نينوى بالتوبة في القرن الثامن قبل الميلاد، ونحن الآن مع ناحوم، وقد مضي قرن من الزمان على نبوة يونان. 100 سنة، أصبحت فيها المدينة أكثر ذنبأ وإثمأ ونسي الناس التوبة ورجعوا لأعمالهم الردئية، فوقعوا تحت عقوبة الله التي حملها ناحوم، من جراء كبريائهم وظلمهم وعبادة الأوثان وعدم الرحمة، أوقعتهم تحت دينونة الله بشدة وصدرت اللعنة بالخراب، ونجد في السفر أجمل الصفات المحبوبة لدي الله، الرحمة (7:1)، وأقساها (2:1)، ومن هاتين الصفتين يخرج الخير والشر، الطيبة والقسوة، العفو الإلهي واللعنة، وكل هذا يكشف عن عدل الله الذي لا يميل، فالله في مقابل الشرير غيور على خيريته (2:1)، ومنتقم للمظلوم (2:1)، ومملوء نقمة (2:1)، ولا يسامح الشرير (3:1)، وهو شديد الغضب (6:1)، وكلي القوة (3:1-6)، إنما طيب (7:1)، وفي الضيقات وُجد شديدأ (7:1)، يذكر الذين يثقون به ويمسكون فيه (7:1).

الخلفية التاريخية للسفر:

بالرغم من أن نبوة ناحوم تخلو من ذكر الملوك الذين تُظبط عليهم التواريخ، إلا أنه بالنظر إلى مضمون النبوة يمكن تحديد زمن نبوة ناحوم النبي من (أصحاح 8:3-10) التي يصف فيها سقوط "نُوأمون"، وهي مدينة طيبة في مصر، عندما يقول "هل أنت (يا نينوى) أفضل من نُوأمون (طيبة المصرية) الجالسة بين الأنهار حولها المياه التي هي حصن البحر، ومن البحر سورها"، طيبة المصرية قد هاجمت "أشوربانيبال"، وهو حدث مشهور في التاريخ، وكان ذلك (سنة 663 ق.م.)، وسقوط نينوى كان (سنة 612 ق.م.)، وهو حدث مُعتبر أنه نبوة سيتحقق في المستقبل، ومن النبوة يمكن الستدلال على أن سقوط طيبة المصرية كان آنذاك هو حديث الساعة، أي جديد في إسرائيل. والحقيقة أن خلو النبوة من أسماء الملوك يُشير ضمنأ إلى تملك الملك الشرير "منسي"، وذلك من (سنة 687-642 ق.م.)، ومن (12:1، و3:1-4) نستدل على أن أشور التي بدأت قوتها تنهار بعد موت "أشور بانيبال" في (سنة 633 ق.م.)، كانت لا تزال تملك زمام الغرب، لذلك فإن زمان نبوة ناحوم يمكن وضعه في (سنة 650 ق.م.).

8. صفنيا النبي:

اسمه يعني "الله يحفظ" أو "يستر"، وقد ذكر أسلافة حتى الجيل الرابع في أول آية "صفنيا ابن كوشي ابن جدليا ابن أمريا ابن حزقيا"، وكان من المعتاد أن يذكر اسم الأب وبالأكثر الجد، ولكن صفنيا ذكر الجد الثالث ليوضح أنه ابن حزقيا الملك، أي أنه من سلالة ملكية من يهوذا، وحزقيا الملك كان في زمن إشعياء وميخا، عاش صفنيا في يهوذا، وربما في أورشليم (4:1)، وكان مزامنأ لناحوم وإرميا.

الخلفية التاريخية للسفر:

ولد هذا النبي في زمن صعب في أيام "الملك منسي"، وربما يكون قد بدأ يخدم كلمة الرب في الأيام الأولى لحكم "يوشيا" (سنة 640 ق.م.)، حيث كان الأمراء لا يزالون ينفردون بأعمال الدولة (8:1)، وكانت عبادة الأصنام قد أنتهت من اليهودية (3:1)، وكل ما تبقي من عبادة البعل قد تلاشي (4:1). دعوة صفنيا أنعشت وشحعت الملك "يوشيا" ليبدأ التجديد (سنة 622 ق.م.)، ويلصق نفسه بيهوه من جديد، وهذا التصريح الجرئ شجع خدمة صفنيا وإرميا في نفس الوقت، وعندما اعتلي "يوشيا" العرش وكان صغير السن، كانت البلاد لا زالت تحت عبادة الأوثان والظلم متفشيأ والفساد يعم العبادة، وكانت عبادة يهوه يشوها الأوثان، أما الشعب فقد فسدت أخلاقة بسبب قيادة الملك "منسي"، كما ضعفت سياسية اليهودية لأنها كانت تحت سيطرة أشور، فالأغنياء ظلموا الفقراء، ليبنوا القصور والقلاع لمستقبلهم (8:1)، والكهنة كانوا طماعين، والشعب نجس الهيكل، ولكن بقيت فئة صغيرة سماها صفنيا "بائسي الأرض"، كما بقول صفنيا في (3:2) "اطلبوا الرب يا جميع بائسي الأرض الذين فعلوا حُكمه، اطلبوا البر، اطلبوا التواضع، لعلكم تُسترون في يوم سخط الرب".

9. حبقوق النبي:

معنى الاسم "يحتضن"، وبعض القدماء من الرتبيين يربطون بين اسم النبي حبقوق وبين ما جاء في (2 ملوك 16:4) "فقال أليشع في هذا الميعاد نحو زمان الحياة تحتضنين ابنأ"، قال ذلك مخاطبأ المرأة الشونمية، فقال الرابيون إن حبقوق هو ابن هذه المرأة الشنومية في القرن التاسع قبل الميلاد. سفر حبقوق لا يُلقي ضوءأ على حياة النبي، غير أن هناك حكايات كثيرة ذات صبغة تأملية عن هذا النبي، فيقول إنه هو الحارس الذي قال عنه إشعياء في (6:21)، والموجود أيضأ في (حبقوق 1:2)، أي أن حبقوق هو الرقيب الذي عينه إشعياء ليراقب سقوط بابل، بالإضافة إلى سفر دانيال المدعوة "بال ةالتنين"، تقول إن حبقوق هو الذي حمل صحنأ من السليقة ورغيفأ من الخبز لدانيال وهو في جب الأسود وقد حمله ملاك. ومن عنوان مزمور حبقوق في الأصحاح الثالث، حيث يقول النبي في نهايه صلاته "لرئيس المغنين على آلاتي ذوات الأوتار" (19:3)، يتضح لنا أن النبي حبقوق كان يُشارك في التسبيح في الهيكل، وهكذا يتحتم أن يكون لاويا. حبقوق كان معاصرأ لصفنيا وإرميا الذي تنبأ بالغزو البابلي وخراب أورشليم. عاش حبقوق في اليهودية في الأيام الأخيرة لحكم "يوشيا" (سنة 640-609 ق.م.)، وفي الزمن المبكر لحكم "يهوياقيم" (سنة 608-598 ق.م.)، وتاريخيأ فإن حبقوق قد عاش أيام سقوط نينوى (سنة 612 ق.م.)، وقيام بابل (سنة 605 ق.م.)، وقد ذكر ذلك حبقوق في (6:1)، وقد شاهد حبقوق موت "يوشيا" كنهاية زمن التجديد وبعدها فقدت اليهودية حريتها، وشاهد "يهوياقيم" الملك الجبار المفتري الشارد عن الله.

عالج النبي حبقوق السؤال الأخلاقي، ما السبب في قيام بابل؟، الأشوريين كانوا قساة ونينوى قد خربت (سنة 612 ق.م.)، كما تنبأ ناحوم النبي، وآخر قوة الأشوريين قد تحطمت في موقعة "كركميش" (سن 605 ق.م.)، وأشور قضيب الله للغضب وقعت فريسة بسبب كبريائها، وشعب الله فرح لتأديب الله ودينونته لأشور، ولكنهم تعجبوا لماذا ضرب الله يهوذا بقوة غريبة (بابل)؟، كيف يستحدم الله بابل لكي يُكمل غضبه على يهوذا؟ مع أن بابل شريرة، وسؤال حبقوق قد شجع الأتقياء حتى ينطقوا "البار بإيمانه يحيا" (4:2)، خاضعأ لناموس الله، الذي بحريته يستخدم أدواته لُيقيم مملكته. حبقوق أتهم الله بعدم العدل، مستخدمأ الشكوى (2:1-4) : كيف يسمح الله ليهوذا أن تستمر في كسر وصاياه وعهده؟ أصنام وأخلاق فاسدة تسود، حتى أن مملكة الله قد شُلت (4:1)، والشرير قد انتصبت وأخذ مكان البار، وقسوة الأيام جعلت أولاد الله يُحسبون بؤساء وملعونين في حين أن الشرير يزهو، فكان رد الله (5:1)، ليس تمامأ على شبه كلام حبقوق إذ أنه قال إنه سيقيم بابل كأداة لبره، فقسوة يهوذا سيواجهها بقسوة بابل الأكثر قسوة، فالشبه سيغلبه بنفس الشبه. ولكن حبقوق لم يقتنع بهذا التعادل في الشر، إذ كيف يسمح الله لدولة شريرة أن تقسو على دولة أكثر برأ؟، هذا كان سبب رعب للنبي الذي أخذ يتكلم بلسان الأبرار الباقيين: إذأ ماذا يكون نصيبهم؟ هل الله سيصير بلا إحساس ويُفرق ويُشتت ميراثه بواسطة قوة بابل؟.

أما سؤال حبقوق الثاني (12:1-17)، فقد كان على مرحلتين: آتهم يهوذا أنها خربت أساس مملكة الله بمنعها العدل والبر أن يسود، بل عملت العكس، والثانية أنه بكي لله ليعطي الإجابة، وهو يُعبر عن خوفه لئلا يُقتلع البر من المملكة وتكون الفوضي قد سادت، وهكذا أدخل حبقوق نفسه في ورطه، وإذ هو لا يعرف الطريق وقف يلاحظ كرقيب، يراقب بابل منتظرأ عالمأ جديدأ من الله (1:2). أعلن الرب لحبقوق أن بر ملكوته سيقوم ويتأسس في النهاية، وهذا الستعلان ينبغي أن يُكتب كشهادة للأجيال الآتي (2:2)، حتى يعلم الناس انه سوف يعوضهم حتى لو تباطأ الحكم، إذ يلزم الانتظار بالإيمان لأن هذه الكلمات الواعدة تشجع أولاد الله أن يتمسكوا بالوعد دون أن يهتموا بقسوة الزمن "البار بإيمانه يحيا" (4:2).

أنبياء ما بعد السبي:

وهم حجي وزكريا وملاحي، وقد خدموا نبواتهم في ظل السبي وخبراته، ولكن في نفس الوقت كان قد أشرق عليهم نور العودة، فكانت المدة بعد السبي ما بين تصديق وتحية عصر جديد في تحقيق النبوات السابقة من أنبياء ماقبل السبي، لأنه عندما كسر شعب الله عهده، أعلن الأنبياء رسميأ قُرب سقوطهم وسحب النعمة منهم، ولكن من ناحية أخري، كانت العودة من السبي فرصة جديدة للتائبين شجعتهم ليجدوا مرة أخرى حمايتهم وملاذهم في يهوه الرب، كما قال زكريا النبي في (زكريا 4:1) "لا تكونوا كآبائكم الذين ناداهم الأنبياء الأولون قائلين: هكذا قال رب الجنود ارجعوا عن طرقكم الشريرة، ومن أعمالكم الشريرة فلم يسمعوا ولم يصغوا إلى يقول رب الجنود"، فكان السبي بمثابة تعليم إلى الدينونة كحقيقة مرئية، فأورشليم وهيكلها خربا، ومملكة داود ذاقت مرارة البعد والغربه عن الله، ولكن بقية من شعب الله ظلوا دائمأ إلى الأبد ينتظرون علامات تحقيق النبوات

1. حجي النبي:

ولد حجي في أورشليم القديمة وعاصر حصارها وعاش مسبيأ في بابل، كتان حجي شيخأ متقدمأ في السن، وقد رافق الفوج الأول العائد من السبي تحت يد "شيشبصر"، وأشترك في أول مراحل بناء الهيكل، كما في (عزرا 1:3) "ولما اُستهل الشهر السابع وبنو إسرائيل في مُدنهم أجتمع الشعب كرجل واحد إلى أورشليم، وقام يشوع ابن يوصاداق وإخوته الكهنة وزربابل اين شالتئيل وإخوته وبنو مذبح إله إسرائيل ليُصعدوا علية محرقات، كما هو مكتوب في شريعة موسى رجل الله"، أما زمن حجي فيمكن تحديده بذكره "الملك داريوس الأول" (سنة 522-486 ق.م.) المعروف بتشجيعه واهتمامه بالجماعة اليهودية. وأول توجيه خطابي لحجي كان في الشهر السادس (29 اغسطس سنة 520 ق.م.)، في السنة الثانية لداريوس (1:1)، وكذلك ثلاث خطابات أخرى قالها على مدى أربعة أشهر، وأخرها كان في (ديسمبر، سنة 520 ق.م.).

خدم حجي وزكريا الله (عزرا 1:5)، للشعب الذي يقاسي الحياة بسبب الإخفاقات التي لاحقتهم وعدم تحقيق رجائهم، وكانا عضوين في الجماعة الجديدة في أرض الميعاد، ولكن البطء الذي لاحق الشعب في عملهم على إعادة الأوضاع، قد جعل نشاطهم يتجمد، فاصابهم احباط إذ قد خاب رجائهم في الزمن الجديد الذي وُعدوا فيه أن يكون الله حاضرأ بينهم كملك، بالبركات والعناية، وقد ظنوا أن رجاءهم قد خاب، فكان عليهم أن يبقوا منتظرين الله أن يؤسس الزمن الجديد بتكميل النبوات.

وكان اليهود قد رجعوا من بابل وبدأوا نهضتهم بغيرة هائلة، (سنة 536 ق.م.) ولكنهم توقفوا نتيجة معاكسة السامريين ومقاومتهم (عزرا 5:4)، وتوقف العمل من (سنة 536 حتى سنة 520 ق.م.)، وفي (سنة 520 ق.م.) حدث تغيير كبير، فقد أكد "درايوس" الفرمان الأول الذي أصدرة "كورش" معطيأ الحق لليهود أن يُعيدوا بناء الهيكل (عزرا 3:6)، ولكن اليهود كانوا قد فقدوا الحس تجاه الهيكل نتيجة ما قاسوه من المصائب (حجي 9:1-11)، ودخلوا دائرة المكر بأن الأقتصاد يواجه صعوبة وكأن الله غائب، إذن، فالله لا يريد بناء الهيكل الآن، واعتقدوا أن وعد النبوة ربما كان يقصد جيلاً آخر غيرهم، لم يكن اليهود ملحدين أو عابدي أصنام، ولكنهم صاروا بلا نفس وقد نحوا الرجاء جانبأ، وفي (سنة 520 ق.م.) بدأ حجي يتكلم وبدأ ينقد الشعب لأنهم لم يكملوا بناء الهيكل، وشجعهم ان يبدأوا العمل.

كان حجي يُعطي الأمر بالعمل في بناء الهيكل بقوة دافعة، فكانت رسالته فعالة وكان قد مضي زمن كبير منذ عودة الشعب إلى الأرض، ولكن لأسباب عديدة صاروا مستكنين، راضين بلا جهد ولا غيرة، وأصبح هذا أسلوب حياتهم، وتمحكوا أن الله لم يأمر بعد ببناء بيته (2:1)، ولكن حجي أيقظهم من شعورهم هذا بعدم الأحساس بالوقت، ومن قناعتهم باكتفائهم الذاتي، وسألهم إن كانوا يقيسون شعورهم وحياتهم على ما يريده الله لهم (5:1)، وهل كان الله مسئولاً عن خطاياهم التي تسببت في دخول المحن؟، وهكذا واجه حجي كل تذمرهم، وسألهم أن يفتشوا قلوبهم، وطالبهم بالأمانة للربو وبأن يقوموا ويعيدوا بناء الهيكل، ويظلوا على رجائهم وانتظارهم للزمن الجديد لبركات يهوه.

إن العمل النبوي لحجي يشير بوضوخ إلى الطريق الذي يلزم فيه أن يساهم الشعب مع الله ليأتي ملكوت الله، وحجي كان رائيأ وعاملاً نشيطأ، وهو الذي قاد جيل ما بعد السبي ليحققوا مواعيد الله بالروح الذي فيهم، هذا يشرح لماذا أيقظ الأبرار ليطلبوا المجد ويسعدوا بالملكوت بينما يشير الله إلى مجد أعلى، فالوعود هي من الله ولكن شعبه مسئول عن الإسراع في التكميل. وقد أعُتبر حجي أنه كان مجددأ، وغلم الشعب أن أعضاء شعب الله الحقيقي ينبغي أن يخدموا ملكهم العظيم بأمانة غير منقسمة (5:1)، ويكون لهم غيرة مقدسة (10:2)، وأن يطلبوا مملكته (4:2).

2. زكريا النبي:

ألأسباب المذكورة في (زكريا 1:1) تُميز زكريا، حفيد "عدُو" الأكبر، والمؤلف لهذه النبوة عن غيره ممن يحملون نفس الأسم، وزكريا اسم عبراني عادي، والاسم يظهر على 30 شخص من افراد العهد القديم، أما جده "عدُو" فيمكن مضاهاته برئيس عائلة الذين رجهوا من السبي إلى يهوذا ككاهن أعظم. أبتدا زكريا يتنبأ بعد عدة شهور من بعد حجي النبي، الذي ابتدأ يخدم في (29 أغسطس سنة 520 ق.م.)، قالرب تكلم أيضأ لزكريا (1:1) بدءأ من أكتوبر-نوفمبر (سنة 520 ق.م.)، حتى ديسمبر (سنة 518 ق.م.)، وكلمة الرب والوحي والرؤي في الأصحاحات من (9-14) لا تحمل أي تاريخ.

أما الموقف التاريخي في زمانه، فهو مثل ما عند حجي النبي، فقد كن شعب يهوذا قد رجعوا (سنة 536 ق.م.) من السبي، ولكن الفرحة والغيرة اللذين يدلان على عودتهم قد انتهتيا، وقد مرت 20 سنة والهيكل كما هو خراب، فعندما بدأ حجي وزكريا نبوتهما (سنة 520 ق.م.) كان شعب اليهود قد فقدوا الغيرة القلبية والأحساس، وساد الأحباط. ولكن بعد شهرين كان روح الرب قد حل على زكريا وتكلم لنفس الشعب (1:1)، مشجعأ إياهم برؤي من الله لملكوته، مع الوعد بتحقيق نبوته، فاستجابوا لخدمة حجي وزكريا، ودُشن الهيكل في (مارس، سنة 515 ق.م.) (عزرا 14:6).

سفر زكريا أكثر أسفار الأنبياء الثني عشر طولاً، اكثره شعر منثور مع أقسام من الشعر الخالص (أصحاحات 9 ،10)، والسفر يحوي عظات وتحذيرات (2:1-6، 1:10)، ورؤي (7:1، 8:6)، ورمزيات (9:6-15)، وأحكامأ نبوية (1:9-8، 2:12-8)، وليتورجيا (9:9)، واغنية وقدح شعري (1:11-3)، فالنبي زكريا يُعتبر كاتبأ نبويأ رؤيويأ. الأصحاحات الثمانية الأولي لها سمات مشتركة تحديد التواريخ (1:1، 1:7)، ووجود هدف عام مشترك (بناء الهيكل والمدينة) وتكرار عبارة "فتعلمون أن رب الجنود قد ارسلني" (9:2، 9:4، 15:6). النبي زكريا ذو حس لاهوتي يعكس أفكارة على النبوات السابقة عليه الخاصة بالعودة، مثل إشعياء، إرميا، وحزقيال، ولكنه يتوسع فيها مستخدمأ تخطيط الله لشعبه الذي وقف ينتظر الملكوت الآتي.

3. ملاخي النبي:

معنى الاسم "رسولي"، وقد تنبأ أثناء الحكم الفارسي بعد بناء الهيكل وتدشينه (سنة 515 ق.م.)، ودخوله في معارك مع الكهنة داخل الهيكل يوحي بأنه عاش بجوار الهيكل أو بجوار أورشليم. سفر ملاخي يعكس فترة تمزق وجذب وشد، بما يوضح بأن الله لم يؤسس مملكته العظمي بعد بناء وتدشين الهيكل، فالله لم يُظهر مجد حضوره ولا غني بركاته التي تكلم عنها حجي وزكريا النبي، بل وشعبه أيضأ لم يسلك بحسب ما ينتظره الله منهم، صحيح أن الجماعة الجديدة ممتنعة عن عبادة الأصنام، ولكنهم لم يكونوا غيورين للرب وقد فشلوا في أن يقيموا الصلاة، ولا دفعوا العشور (8:3-10)، وأستمروا في طلاق زوجاتهم (14:2)، وتزوجوا زيجات غير يهودية، واحضروا ذبائح مشوهة ومريضة إلى هيكل الرب، والكهنة قبلوها باعتبارها ذبائح لهيكل الرب صالحه ليهوه. وشعب الله كان في حالة سيئة، وكانوا يشكون من القحط والجوع والفقراء كانوا يُجبرون على بيع أبنائهم وبناتهم كعبيد لأنهم لم يستطيعوا أن يدفعوا ديونهم، لأن الحال المالي كان سيئأ، فمعظمهم طلق امرأته ليتزوجوا وثنيات من أجل الربح القبيح، ذلك في مقابل شعب الله الذي يجاهد ضد الأشرار الرابحين، والله ينظر حالهم ولا يبالي لحالهم.

زمن رسالة ملاخي هو مابعد السبي، بعد كمال الهيكل (سنة 515 ق.م.)، وقبل أو اثناء خدمة عزرا ونحميا (سنة 458 ق.م.).

وبمعونة من الملك "أرتحشستا" جاء فوج قان من العائدين، انضموا إلى عزرا (سنة 458 ق.م.)، في محاولة لتكوين جماعة يحفظون ناموس الله والهيكل (عزرا 6:7)، وكان التشجيع الملكي وإلهام عزرا وخدمته التعليمية هي قوة جماعة أبرار اليهودية الذين أعطوا بعد ذلك أنفسهم أكثر إلى التوراة والهيكل (نحميا 73:7). فأذا كان ملاخي قد تكلم بهذا الكلام بعد نحميا وإصلاحاته، فذلك يعني أن الشعب عاد إلى المشكلة التي عالجها عزرا ونحميا، ولكن من الممكن أن ملاخي يعظ لُيعيد القلوب للإصلاح الذي قام به نحميا وعزرا، فان كان الأمر هكذا، فستكون خدمة ملاخي قبل (سنة 458 ق.م.)، وهي سنة عودة عزرا، ويكون ملاخي قد تنبأ قبل التجديد الذي قام به نحميا (سنة 445 ق.م.)، لأن عمل نحميا غير مذكور، والمساوئ التي يتكلم عنها ملاخي هي مثل التي يدينها نحميا، وفي كلا الحالتين، فهي مساوئ خطيرة قد دخلت الحياة اليهودية، الزواج المختلط والطلاق (10:2)، عدم الأهتمام بالعدل الأجتماعي (5:3)، استرخاص الله بأستخدامهم الحيوانات المريضة (7:1)، والكهنة صاروا فاترين وانحلوا (1:2-9)، حتى إلى عدم الأهتمام بأوامر الله (12:1)، وبعدم دفع العشور يكون الشعب قد امتنع من أن يقدم معونة للهيكل والكهنة (8:3)، والكهنة واللاويين لم يُخلصوا في تعليمهم لأنهم أحسوا أنهم تحت إرادة رغبة الشعب الجديدة، والكل في انحدار روحي، وكان ملاخي يعظ لاستعادة الشعب إلى وضع سليم مع الله.

المراجع المستخدمة:

Hobart Freeman: Introduction to the Old Testament prophets، moody press، Chicago، 1968

Rabbi Levi Meier: Moses، the prince، the prophet، Woodstock، 1998

Edward Young: My servants the prophets، Eerdmans، 1952.

الكتاب المقدس

قاموس الكتاب المقدس

عماد مكرم Emad_g_1

22 مايو 2008



 

 
 
 

line

line

 
 
 

جميع حقوق النشر محفوظة 2009