line
line

تاريخ الذبائح في الكتاب المقدس بقلم الاستاذ عماد مكرم

 
 


الذبيحة في العهد القديم:

1. ذبيحة مولك: لفظة مولك هي اسم كنعاني معناه "ملك" (لاويين 21:18)، ويُسمي أيضاً "ملكوم" أي ملككم (1 ملوك 5:11)، كان إله للعمونيين وكانوا يذبحون له ذبائح بشرية، كان مصنوع من نحاس جالساً على عرش من نحاس، وكان له رأس عجل عليه أكليل، وكان العرش والصنم مجوفين وكانوا يشعلون في هذا التجويف النار، حتى إذا ما وصلت درجة الحرارة الحُمرة، وضعوا عليها الذبيحة لتحترق بسرعة. معنى كلمة مولك باللغة العبرية هي "تقدمة ذبائحية"، والذبائح البشرية التي يتكلم عنها العهد القديم "مولك"، هذه اللفظة ترتبط بجذر فعلي (هاي لاميك كاف) الذي يُستعمل كلفظة ذبائحية في المدونات الفينيقية في القرن الثامن قبل الميلاد، ونجد لفظة "مولك في العبرية (ميم لاميك كاف) في ذات الوقت في إسرائيل وفي العالم الفينيقي تدل على ذبيحة ولد، وليس بالضرورة على ذبيحة طفل قد وُلد جديداَ، كما تدل إيضاً اللفظة على ذبيحة حمل أو جدي بشكل إبدال، أو بمعنى أخر، إبدال الحمل أو الجدي عن الطفل أو الولد. كانت تمر الضحية المذبوحة في النار، في محرق يُسمي في العبرية (ت ف ت)، وفي النسخة السبعينية تُرجم (تافت)، ثم توضع البقايا في جرة يدفنوها في موضع مقدس خُصص لهذا الغرض، وسُمي بلسان علماء الآثار (توفت) بعد القرن السابع الميلادي. انتشرت عادة وضع نصب فوق الجرة الذبائحية يحمل عبارة تدل على اسم المُقدم، وكانت هذه الذبائح نتيجة نذر قد نذره المؤمن. وهكذا نستنتج أن هذه الذبائح لم تكن تلبية لفريضة عامة تُطلب من المؤمن أن يُقدم بكره للإله، ونجد ممارسة مشابها لهذه الذبائح في إسرائيل القديمة، حيث نقرأ اسم مولك، في (لاويين 21:18) "ولا تُعط من نسلك تقدمة لمولك ولا تدنس أسم إلهك أنا الرب"، وفي (2 ملوك 10:23)"، ونجس توفت الذي في وادي هنوم لكي لا يجيز أحد ابنه أو أبنته في النار لمولك"، ثم في (إرميا 24:3) و(حزقيال 20:16)، و(تثنية 31:12) حيث لا نقرأ اسم "مولك. في الواقع هذه الذبائح البشرية التي تُدنس اسم الله حسب (لاويين 21:18) كانت في الواقع مُقدمة لله كما يقول لنا ميخا النبي بوضوح في (ميخا 6:6-7) "بماذا أتقدم إلى الرب وأنحني لله العلي، أبمحرقات أتقدم إليه وبعجول حولية، أيرتضى الرب بألوف الكباش وربوات أنهار الزيت، أابذل (بكري) عن معصيتي وثمرة بطني عن خطية نفسي". أنحصرت الذبائح البشرية في أورشليم في القرن الثامن والسابع قبل الميلاد، ولكن الممارسة كانت معروفة في إسرائيل خلال الحقبة السابقة، نقرأ في (قضاة 30:11) "ذبح يفتاح ابنته الوحيدة لكي يفي نذراً نذره للرب"، وفي القرن التاسع قبل الميلاد ذبح ميشع، ملك موآب ابنه على سور المدينة (2 ملوك 27:3)، كذبيحة عن خطيئة الرئيس لأن الفشل في الحرب يُنسب عادة إلى غضب الإله. ذبيحة "مولك" يشجبها بشدة وقساوة (لاويين 21:18) و(لاويين 2:20)، وهذا أكبر دليل على أنها كانت تُمارس في إسرائيل، كذلك هدم الملك يوشيا المحرق الذي في وادي بني هنوم، لكي يضع حداً لهذه الممارسة المرفوضة من الله (2 ملوك 10:23) "وذبح جميع كهنة المشارف التي هناك على المذابح وأحرق عظام الناس عليها ورجع إلى أورشليم".

2. ذبيحة الأبكار: ذبيحة الأبكار في (خروج 2:13) تتضمن فريضة ذبح الأبكار لله، وتقليد موت أبكار مصر (خروج 5:11)، ذبح الأبكار الذكور من الحيوانات الطاهرة (خروج 15:13)، و(عدد 17:18)، وهذا يدل على أن ذلك كان المعنى الأصلي للشريعة، لهذا نجد أن ذبيحة إبرهيم لأبنه إسحاق حل محلها ذبيحة كبش (تكوين 22)، وهذا أعطى للذبيحة أسم محرقة (تكوين 2:22). عند قراءة سفر اللاويين بتمعن نجد أن اللاويين أبدلوا أبكارهم الذين هم لله وافتدوا (اشتروا) كل بكر من أولادهم بخمسة مثاقل فضة (عدد 15:18) "كل فاتح رحم من كل جسد يقدمونه للرب من الناس والبهائم يكون لك لكي تفدي بكور الناس وتفدي بكور البهائم النجسة، وفداء الناس من أبن شهر يكون بحسب تقويمك خمسة مثاقيل فضة بمثقال القدس وهو عشرون دانها".

عبارة "أعطي للرب" تعني "كُرس لخدمته"، مما لا شك فيه أن النصوص القديمة قد أُعيد تفسيرها لاننا نجد أثراً لعادة ذبح الأبكار في بعض النصوص المسمارية في بلاد الرافدين العليا في القرن السابع قبل الميلاد بشكل خاص عندما كان مُجمل الناس من أصل آرامي، (النصوص المسمارية هي نوع من الكتابة تُنقش على ألواح الطين والحجر والشمع المعادن، وكانت هذه الكتابة متداولة لدي الشعوب القديمة، وترجع اول هذه المخطوطات اللوحية لسنة 3000 قبل الميلاد، وهذه الكتابة تسبق الأبجدية بحوالي 1500 سنة، وظهرت أولاً في جنوب وادي الرافدين بالعراق لدي السومريين للتعبير عن اللغة السومرية، وكانت ملائمة لكتابة اللغة الأكادية والتي كان يتكلمها البابليون والآشوريون. وتم فك رموز الخط المسماري في القرن 19 الميلادي وبذلك تسنى للعلماء قراءة النصوص التاريخية والرياضية والفلكية، ويوجد حوالي 13000 لوح طيني من بلاد الرافدين في المتحف البريطاني). ونجد أن البند الجزائي في هذه العقود يعلن أن بكر الذي حلف زورا يُحرق في "الرحم المقدس للإله هدد".

3. ذبيحة التأسيس: تًشكل هذه الذبيحة نمطاً خاصاً من الذبائح البشرية التي نجدها في إسرائيل القديم. هذه الذبيحة هي عمل طقسي يقوم بأن يتخلى مُقدم الذبيحة للإله عن خير ما يمتلكه وهو يقوم بذلك بفرض فرضه هو على نفسه لكي يطلب رضى الله وبركته (2 صموئيل 18:24)، ويشكره عن خيرات نالها منه (1 صموئيل 15:6). اللغة العبرية لا تمتلك اسم جنس ينطبق بدون تمييز على جميع هذه الذبائح، إنها تستعمل ستة ألفاظ مختلفة تدل على الشكل الطقسي للذبيحة، مع لفظة إضافية تدل على خاصية كل ذبيحة، وقيمة كل ذبيحة وثمنها. الذبائح المُكلفة التي تتضمن تقدمة من الحيوان، لم تكن في متناول الفقراء، بل في متناول الأغنياء الذين بدأت ثروتهم تتعارض بشكل فادح مع فقر الشعب الكادح، وقد قال إشعياء النبي عن هؤلاء الأغنياء أن التفاخر بكثرة الذبائح لا فائدة منه إذا تجاهل الأغنياء ممارسة الحق والعدل (إشعياء 11:1). كانت الذبائح خاصة وعامة، فالغني يُقدم ذبيحته، والملك أيضاً يُقدم ذبيحة بأسم الشعب، كذلك يفعل رئيس الكهنة، كانت هناك ذبائح مثل المُحرقات، ذبائح السلامة أو المشاركة (تُأكل كذبيحة عيد الفصح)، كانت هناك أيضا الذبائح الخاصة (الذبيحة البشرية)، (كمثل، يذبح الإنسان ابنه كما يذبح حملاً من قطيعه كما أراد إبراهيم أن يفعل بإسحاق)، وكما فعل حيئيل حين بني أريحا (1 ملوك 34:16) "وفي أيامه بني حئيل الذي من بيت إيل أريحا، "بأبيرام" بكره أسسها و"بسجوب" أصغر بنيه أقام أبوابها على حسب كلام الرب الذي تكلم به على لسان يشوع أبن نون". أما ذبيحة التأسيس نجدها مرة واحدة فقط في التوراة، فتُعتبر ذبيحة عامة. هناك أيضا كانت الذبائح اللا دموية مثل تقدمة القمح والزيت وسكيب الخمر، وتبقى تقدمة البخور المذكورة في العهد القديم التي تُعبر عن عبادة عامة في الهيكل.

4. ذبيحة الختام: هي الذبيحة الختامية، فيها يتم كل شي، لهذا نستطيع أن نقول ذبيحة التمام، وهذه الذبيحة أيضاً تُسمى ذبيحة السلامة، في لغتها العبرية (شين لاميك ميم يود ميم)، وتُنطق "شلميمم"، وتعني في لغتها الأصلية إلى فكرة التتمة أو التكملة، ولكن الاستعمال الفعلي لهذه اللفظة العباديه تدل على ذبيحة مميزة وتتبع المحرقة، كما نجدها في (خروج 24:20) "مذبحا من تراب تصنع لي وتذبح عليه محرقات وذبائح السلامة من غنمك وبقرك، في كل موضع يُذكر فيه اسمي آتيك وأباركك"، ونقرأها أيضاً في (تثنية 6:27) و(يشوع 31:8) و(قضاة 26:20) و(2 صموئيل 17:6). مادة الذبيحة هي حيوان يُفضل أن يكون له شحم ولحم، ويُحرق شحمة على المذبح ويُرش دمه بواسطة الكاهن (لاويين 1:7)، لايوجد نص يقول لنا ماذا يُصنع بلحم الحيوان المذبوح، ولكن فيما يبدو أن اللحم لا يُحرق، لأن بعد ذبيحة "شلميمم" يُتبع بوليمة وأبتهاجات عامة، لأننا نقرأ أن هذه الذبيحة والاحتفالات التي تبعت تلك الذبيحة تمت أيضا في تكريس الخيمة التي تُظلل تابوت العهد (2 صموئيل 17:6) وتدشين مذبح (2 صموئيل 25:24) وتدشين هيكل سُليمان (1ملوك 64:8)، فيبدو أن اسم هذه الذبيحة العلنية (العامة) يدل على "ذبيحة ختامية" أو ذبيحة مشاركة أو ذبيحة السلامة.

5. ذبيحة الخطية: الذبيحة عن الخطية هي ذبيحة تطهير التي تُقترف بدون إرادة، اسمها في اللغة العبرية (هاي تيت اليف تاف) او (ح ط ا ت) التي ترتبط بمصدر فعل (ح ط ا) أي باللغة العربية "خطأ"، مع معنى الأستبعاد أو أزالة الخطية، كما نقرأها في (خروج 36:29) "وتُقرب عجل خطأ في كل يوم للكفارة فتزكي المذبح بتكفيرك عليه وتمسحه تقديسه". وتختلف الذبيحة باختلاف صفة الخاطيء، يُقدم ثور عن خطية عظيم الكهنة، لأن خطيئته تُنجس الشعب كله، ويقدم ثور أيضاً عن خطيئة كل الشعب، وتيس عن خطيئة الرئيس أو الأمير، وهو لقب أُعطي لرئيس الجماعة في ما بعد السبي (عزرا 8:1)، تُقدم أيضاً عنزة أو نعجة لخطية إنسان فرد، أما الفقراء فيقدمون زوجي يمام أو زوجي حمام، أو شيئاً قليلاً من الدقيق. طقس الذبيحة عن الخطيئة يشبه طقس المحرقات الموجود في (لاويين 1)، ولكنه يتميز عنه بوظيفة الدم واستعمال لحم الذبيحة.

قُدمت ذبيحة الخطية في حفلة رسامة هارون وأولاده (خروج 10:29)، وتُقدم أيضاً في يوم التكفير "يوم كيبور" (لاويين 11:16) وفي تطهير النذير (عدد 11:6) وفي ختام نذره (عدد 16:6)، وفي نهاية فترة تطهير المرأة التي ولدت ولداً (لاويين 6:12)، وفي تطهير الأبرص (لاويين 31:14)، في حالة نجاسة جنسية (لاويين 15:15). تُقدم هذه الذبيحة أيضاً خلال سبعة أيام قبل تدشين مذبح (خروج 36:29)، ومرتين في السنة لتطهير المعبد (حزقيال 18:45)، وذبيحة البقرة الحمراء (عدد 2:19)، غير أن دم هذه الذبيحة يُحرق مع لحمها لكي يكون الرماد كاملاً في صنع مياه التطهير (عدد 9:19).

6. ذبيحة السلامة: تُسمى هذه الذبيحة (ذ ب ح)، أي الذبح أو النحر، وهي ذبيحة خاصة تُقدم داخل العائلة (1 صموئيل 26:1)، مع اعضاء العشيرة (1 صموئيل 6:20)، أو في حلقة من المدعوين، هذه الذبيحة من الممكن أن تأتي نتيجة نذر أيضاً (1 صموئيل 21:1)، ومن الممكن أن تكون ذبيحة حمد وشكر (مزمور 14:50). يجب أن يُراق دم هذه الذبيحة على الأرض (تثنية 16:12)، ويُحرق الشحم لله (1 صموئيل 15:2)، الذي يُعتبر أنه يأكله (تثنية 38:32)، وهذه المشاركة الألوهية في وليمة تبرر اسم ذبيحة السلامة، فالمُقدم ومدعووه يُذكرون مراراً في هذه المناسبة (تكوين 54:31)، وهم يأكلون اللحم (تثنية 27:12) الذي يُشوي، ونفهم من حضور المدعوين أن الذبيحة المقدمة كفعل شكر يجب أن تُأكل في اليوم الذي تُقدم فيه (لاويين 15:7).

وتطورت ذبيحة السلامة، فبعد التركيز لشعائر العبادة في إورشليم في أيام الملك يوشيا، خسرت ذبائح السلامة في وقت من الأوقات الطابع الذي يحضره الأفراد، وأُجبر المؤمنون على تقدمتها بواسطة الكهنة في المعبد المركزي، وتبدل اسمها أيضا، فصار (ذ-ب-ح-ي ش-ل-م-ي-م) "ذبحي شلميم" التي تعني حرفياً "أضاحي" أو ذبيحة الختام (خروج 28:29) و(لاويين 34:7)، وهذا يدل على أن الاسم الجديد في التقليد الكهنوتي هو دمج ذبيحتين تميزتا في الأصل، وهم ذبيحة الختام وذبيحة المشاركة.

7. ذبيحة الصباح: الفرائض المتعلقة بذبيحة الصباح (خروج 38:29) و(عدد 3:28) تشبه ذبيحة المساء التي سنتحدث عنها بعد قليل، منذ زمن آحاز (القرن الثامن)، كانوا يقدمون ذبيحة دموية (2 ملوك 15:16)، وكان الكهنة يقدمون تلك الذبيحة الصباحية عند طلوع الشمس.

8. ذبيحة المساء: نطقها في اللغة العبرية (م ن ح ه / ع ر ب) أو "تقدمة الغروب"، كانت هذه الذبائح في شعائر العبادة جزأ من محرقة تُقدم كل يوم، في الصباح وفي المساء، ونجد الترتيبات لهذه الذبائح في (خروج 38:29)، وهي بلا شك نتيجة تطور طويل، تُذكر ذبيحة المساء وذبيحة الصباح في أيام إيليا (1 ملوك 29:18) مع ذبيحة الصباح الصباح في (1 ملوك 20:3)، أما في (2 ملوك 15:16) فتُذكر الذبيحتان معاً، إذن، نحن أمام نظام قديم سابق للسبي، ولكنه سوف يُنظم بعد العودة من السبي (عزرا 5:9) و(دانيال 27:9)، وبما أن ذبيحة المساء سُميت في العبرية (م ن ح ه ) في (2 ملوك 15:16) قبل السبي، استنتج الشُراح أنها كانت تقدمة طعام وذبيحة لا دموية، كانت تُقام ذبيحة المساء في الساعة التاسعة، أي الثالثة بعد الظهر.

9. ذبيحة الذراع: تُستعمل اللفظة خصوصاً في العهد القديم في معنى استعاري، وبما أننا نعمل بواسطة الذراع، فالذراع تُستعمل للحديث عن القوة، كمثال "ذراع الله" هي قدرة الله، فقد ظهرت في خلق العال (مزمور 11:89)، وفي تخليص شعب إسرائيل في أيام الخروج (تثنية 34:4). والعمل بذراع ممدودة دل على قوة خاصة (خروج 6:6)، ومن كشف ذراعه كشف قدرته (اشعياء 10:52). ذراع الإنسان تدل على نشاطه (مزمور 35:18) ولكن هذه الذراع تضعف حين تُقابل ذراع الله (2 أخبار الأيام 8:32).

الذبيحة في العهد الجديد:

لفظة ذبيحة في اللغة اليونانية هي (تيسيا)، لم تُستعمل مرات عديدة في العهد الجديد، فنجدها 28 مرة فقط 28 مرة، 5 مرات في الأناجيل الأربعة، 5 مرات في رسائل القديس بولس الرسول، مرتين في أعمال الرسل، ومرة واحدة في الرسالة الأولى للقديس بطرس، ومرة واحدة في الرسالة إلى العبرانيين، حتى الرسالة إلى العبرانيين فهي تتحدث عن الذبائح التوراتيه التي تدل على عدم جدواها، كتبة العهد الجديد فضلوا استعمال عبارات أخرى مأخوذة من العهد القديم مثل "حمل الفصح" و"دم العهد"، و"الذبيحة المُقدمة للتكفير". لهذا كانت آلام السيد المسيح وموته بمثابة ذبيحة، فأبن الإنسان جاء ليخدم ويبذل حياته فدية عن الكثيرين (مرقس 45:10)، و(متى 28:20)، وهذا ما قاله السيد المسيح، في العهد الجديد لا تظهر لفظة "فدية" (ايترون) الإ في هايتين الآيتين، أما في (1 تيموثاوس 6:2)، لفظة (انتيليترون) التي تعني "ذبيحة تكفيرية" تعود إلى (إشعياء 11:53)، أما القديس بولس الرسول فيتكلم عادة عن الفداء أنه "شراء" (أشتُريتم ودُفع الثمن). وخبر تأسيس الإفخاريستيا يُقدم في عبارات ذبائحية، قدم السيد المسيح جسده ليُوكل ودمه ليُشرب، فأعتٌبر أنه عمل الفصح الجديد، قدم دمه على أنه دم العهد الجديد فعاد إلى عهد سيناء (خروج 8:24) "فأخذ موسى الدم ورشه على الشعب وقال هوذا دم العهد الذي عاهدكم الرب به على جميع هذه الأقوال"، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، تكلم السيد المسيح عن جسده المُعطي والمبذول، وعن دمه المراق لمغفرة الخطايا، رأى في العشاء الأخير صورة مسبقة عن آلامه ورأى فيه ذبيحة كفارية (مرقس 22:14). في أنجيل القديس يوحنا، يبدأ السيد المسيح كالراعي الصالح الذي يبذل حياته من أجل الخراف (يوحنا 15:10)، ويبذلها طوعاً (يوحنا 18:10)، وعند قراءة أنجيل معلمنا القديس يوحنا بتدقيق وتمعن، نجد موت السيد المسيح على أنه ذبيحة، فالسيد المسيح الحمل الفصح الحقيقي، مات في الساعة التي فيها تُذبح الحملان في الهيكل، حسب فرائض الشريعة (يوحنا 28:18) "وجاوا بيسوع من عند قيافا إلى دار الولاية وكان الصبح"، ثم إنه لم يُكسر له عظم، وهكذا تُراعى القاعدة المتعلقة بالحمل الفصحي (يوحنا 36:19)، هذا التقليد عرفة بولس الرسول كما نقرأ في رسالته الأولى لأهل كورنثوس(7:5) "فألقوا عنكم الخمير العتيق لتكونوا عجيناً جديداً كما أنكم فطير فإنه قد ذُبح فصحنا المسيح"، كما عرف نفس التقليد القديس بطرس أيضا الذي ذكر الصفات الضرورية لهذا الحمل عندما كتب في رسالته الأولي (19:1) "بل بدم كريم حمل لا عيب فيه ولا دنس وهو المسيح"، بلا عيب وبلا لوم، كما هو مكتوب في (خروج 5:12). لم تكن ذبيحة الحمل الفصحي في الأصل ذبيحة تكفير، بل ذبيحة تكريس وتقديس (خروج 6:19)، ولكن صارت كذلك فيما بعد بالنظر إلى ذبيحة إسحاق، وما يثبت هذا هو نص القديس يوحنا في (29:1)، حيث يُقدم المعمدان السيد المسيح على أنه "حمل الله الذي يرفع (ايراين) خطيئة العالم".

في رسالة القديس بولس إلى أفسس (2:5)، لم يكتفي الرسول بولس بأن يُعلن بوضوح أن موت السيد المسيح هو "ذبيحة لله طيبة الرائحه"، بل يؤكد هذا في رسالتة الأولي إلى اهل كورنثوس (7:5)، أن المسيح هو الحمل الفصحي، الذي جعل من الشعب المسيحي "إسرائيل الله" (غلاطية 16:6)، ففي دمه المُراق قد ختم العهد (الميثاق) الجديد (1 كورنثوس 25:11)، وموته هو موت تكفيري، وإنه هو الذي جعله الله كفارة في دمه (روميه 25:3). كلمة كفارة يجب أن تُفهم في معنى "غفران" أي "حل من الخطايا"، كما وردت في (حزقيال 63:16) "لكي تذكري فتفتخري ولا تفتحي فاك من بعد بسبب خجلك حين أغفر لك جميع ما فعلت يقول السيد الرب"، لهذا يقول الرسول بولس أن المسيح مات لأجلنا، لأجل خطايانا (1 كورنثوس 3:15)، وأن دمه المُراق قد نال لنا المصالحة (روميه 8:5)، والسلام مع الله (كولوسي 20:1)، وجعلنا مقربين منه (أفسوس 13:2)، وأن المسيح حمل بموته الخلاص "الفداء" (روميه 24:3). هذا من جهة، ومن جهة ثانية لا يتردد الرسول بولس في التكلم عن موت السيد المسيح بلفظة "الشراء" و"الفداء" (كورنثوس 20:6، 23:7) و(غلاطيه 23:3، 5:4) و(تسالونيكي 14:2).

وفي الرسالة إلى العبرانيين، موت السيد المسيح هي ذبيحة "تيسيا"، ونجدها مكتوبة 15 مرة، وهي ذبيحة سامية جداً، وهي تحول يربطنا بالله، يقول الرسول بولس عن ذبائح العهد القديم إنها تمت كعطايا وتقدمات في الخارج، وبحسب طقوس بشرية (من لحم ودم)، هي ذبائح العجول والتيوس (9:9)، فلم تفعل على مستوى الضمير (9:9)، أما ذبيحة السيد المسيح فهي تقدمة شخصية وجودية "حياتية" (14:9)، بالروح الأبدي (14:9)، لهذا، فهي تمنح التطهير (14:9) والتقديس (10:10)، وأن موت المسيح هو تقدمة (7:5)، تجعله وسيط عهد جديد (6:8)، في دمه الخاص (19:10)، "في هذا تلميح إلى الإفخاريستيا"، وأن المسيح مات مرة واحدة (10:10)، فلم يتكرر موته، أما الذبائح القديمة فتتكرر باستمرار، كان موت المسيح فاعلاً بسبب طاعته (5:10)، فمحي الخطايا وقادنا إلى التمام وإلى الكمال (1:10-18). فذبيحة السيد المسيح ألغت نظام الذبائح الطقوسية في العهد القديم.

عماد مكرم Emad_g_1

22 نوفمبر 2006


 

 
 
 

line

line

 
 
 

جميع حقوق النشر محفوظة 2009